يوسف المرعشلي

535

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

الذاهبين إلى ميسلون ، وكان قائد فرقته تحسين الفقير ، وقائد المدفعية صدقي الكيلاني ، وقائد اللواء حسن الهندي . وبقي الجيش العربي في سلسلة الجبال التي عند بلدة ( مجدل عنجر ) ، وبناء على طلب الفرنسيين سرّح الجيش فانسحب أفراده ، ولما وصلوا إلى روابي ميسلون وجدوا الفرنسيين خلفهم ، وأخبروا يوسف العظمة ؛ وزير الحربية فقال : « اثبتوا مكانكم لحين إرسال الإمداد » . وتمركز الفرنسيون في المرتفعات . وفي اليوم الثالث بدأ الهجوم ، وأوقف المجاهدون العدو إلى ما بعد الظهر حين نفدت الذخيرة . وأثرت المدفعية على القوات الفرنسية ، فانزعجت وأخبرت بيروت ، فجاء الأمر أنه إذا استمر القصف المدفعي نصف ساعة أخرى فيجب الانسحاب عندها إلى بيروت . وكان الخطأ أن ترك الجيش العربي في ( مجدل عنجر ) ذخيرة كثيرة مع ثلاثة حرّاس فقط ؛ لأنه لم يستطع نقلها فأسر الفرنسيون الحراس . ووقعت بعد ذاك سورية تحت الانتداب . قال المترجم : « والواقعة على ما بها من ضعف خير من عدمها ، وهناك أمور لم يف الفرنسيون بوفائها ، والتاريخ يكشفها » « 1 » . وبعد ميسلون دخل في سلك التعليم ، فعيّن معلما عند عشائر الفضل ، ثم نقل منها بدعوى الاشتغال بالسياسة ، فدرّس في ( بريقة ) التابعة لبلدة ( القنيطرة ) جنوبي دمشق ، ثم نقل سنة 1922 م إلى ( الزويّة ) التابعة للقنيطرة أيضا ، فاشتغل في ( فيق ) سنتين ، إلى أن استقال سنة 1924 م . وكان سبب استقالته أن طلب منه المحدث الشيخ بدر الدين الحسني السفر إلى لبنان لإرشاد القرى فيها بسبب ضعف الدين هناك ، وجهل الناس بالشرع فلبّى ، واتفق مع جمعية البر والإحسان الدمشقية أن يكون معلما في ( كفرماية ) أو ( كترماية ) ، ومرشدا للأهالي . وكان يتجوّل في قرى ( شحين ) وما جاورها مدة ثماني سنوات ، ثم انتقل إلى ( القرعون ) في البقاع ، فبقي فيها أربع سنوات ، ولما ضعفت جمعية البر صار يعلّم على حساب الحاج خليل سكر البيروتي ، ويتجوّل في القرى . ومع أنه عيّن مدرّسا دينيا في دمشق سنة 1929 إلا أنه بقي في البقاع ، وكان له فضل عظيم وأياد بيض على المنطقة كلها ، ثبتت بفضله عقائد القرى بعد أن توغل فيها التبشير . وما ترك قرية من قرى البقاع الجنوبي وبعض قرى وادي التيم إلا زارها ، وكان يصحب معه المنشدين ، ويقرأ الموالد ، ويوزع السكّر وبعض الرسائل الدينية ، وينصح للناس ، ويعظهم ويرغّبهم حتى مالوا إليه ، وشكروا له فضله . وفي سنة 1936 م كان يتردد بين الشام ولبنان بمهمة الإرشاد ، وعيّن في ( الكلية الشرعية ) ببيروت موجّها أول فيها ، وتخرج مدّة وجوده تلاميذ برز منهم فيما بعد رجالات البلاد : كالشيخ حسن خالد ؛ مفتي لبنان ، والدكتور حسن صعب ، والأستاذ بهيج عثمان ؛ أحد مؤسسي دار العلم للملايين ، والدكتور سهيل إدريس ؛ صاحب مجلة الآداب ، والأستاذ عفيف طبارة ، والأستاذ محمد خير الدرع ، والأستاذ محمد شريف سكّر . كان في المعهد كالأب لطلابه صغارا وكبارا يشرف عليهم في النهار ، ويلاحظهم في السهرة ، ويتفقّدهم في النوم ، يتابعهم في هندامهم ، يحل مشاكلهم ، يساعد محتاجهم ، يقوّم سلوك من يحتاج إلى تقويم ، كل ذلك برقة ودماثة وغيرة ونبل ؛ حتى احترموه وأحبوه وأطاعوه ، ووثقوا به . وبعد الحرب العالمية الثانية حوالي سنة 1945 م سافر إلى أوروبا مرتين رئيسا للوفد السوري في مؤتمرين عالميين للسلم أحدهما عقد في ( وارسو ) والآخر في ( برلين الشرقية ) ، ووقف خطيبا يظهر رأي الإسلام تجاه السلم والحرب ، ويبيّن مبادئه السامية التي تدعو إلى توطيد الإخاء الإنساني ، واحترام الذات البشرية ، مستشهدا من القرآن الكريم والحديث الشريف ، والتاريخ الإسلامي . وفي سنة 1947 م رفّعت وظيفته في وزارة الأوقاف السورية إلى رتبة مدرّس ديني أول ، فاستقرّ إذ

--> ( 1 ) « الشيخ صلاح الدين الزعيم » : 29 .